النويري
283
نهاية الأرب في فنون الأدب
ثم يأخذه بيديه ، ويقف على قدميه كالإنسان ، ويشدّ به على الفارس ، فلا يصيب شيئا إلا أهلكه « 1 » ؛ وفى طبع هذا الحيوان من الفطنة العجيبة لقبول التأديب والتعليم ما هو مشاهد لا يحتاج إلى إقامة دليل عليه ، هذا مع عظم جثّته ، وثقل جسمه ، لكن لا يطيع معلَّمه إلَّا بعنف وضرب شديد وتعمية لذكوره ؛ وقال الشيخ الرئيس أبو علىّ بن سينا : إنّ دم الدّبّ ينضج الأورام الحارّة سريعا ؛ واللَّه أعلم بالصواب . ذكر ما قيل في الهرّ والهرّ ضربان : وحشىّ وأهلىّ ، وهو يشبه الأسد في الصورة والأعضاء والوثوب والافتراس والعدو ، إلَّا أنّه أقلّ جراءة من الأسد وأكثرها من سائر الحيوان ؛ وهو يناسب الانسان في أحوال ، منها : أنّه يعطس ويتثاءب ويتمطَّى ، ويتناول الشئ بيده ، ويغسل وجهه وعينيه بلعابه ؛ وفيه « 2 » أنّ الأنثى تحدث لها قوّة وشجاعة عند السّفاد ، ولهذا فإنّ الذكر يهرب منها عند فراغه ، وتكون هذه الشجاعة في الذّكر قبل السّفاد ، فإذا سفد انتقلت إلى الأنثى ، والذّكر إذا هاج صرخ صراخا منكرا يؤذى به من يسمعه لبشاعته ؛ والأنثى تحمل في السنة مرتين ، ومدّة حملها خمسون يوما ، وفى أخلاق بعضها أنّها إذا ولدت تأكل أولادها ، ويقال : إنّها إنّما تأكلهم لفرط حبّها لهم ؛ وقيل : بل من جنون يعرض لها عند الولادة وجوع ؛ واللَّه أعلم ؛ وفى هذا الحيوان من الأخلاق الحميدة أنّه يرعى حقّ
--> « 1 » في كلا الأصلين ومباهج الفكر « هتكه » ؛ وهو تحريف إذ الهتك انما يكون للستر ؛ وما أثبتناه هو ما يستفاد من عبارة صبح الأعشى ج 2 ص 48 . « 2 » وفيه ، أي في طبعه ، أو عادته ، أو نحو ذلك مما يفيد هذا المعنى .